المطالبة بإلغاء تجريم “العلاقات الرضائية” خارج الزواج: هل نحن أمام تعزيز “حريات فردية” أم هدم “قيم مجتمعية”؟

المطالبة بإلغاء تجريم “العلاقات الرضائية” خارج الزواج: هل نحن أمام تعزيز “حريات فردية” أم هدم “قيم مجتمعية”؟

* بقلم: د. يسين العمري

يقول مارتن لوثر كينغ: “إنّ أسوأ مكان في الجحيم محجوز لهؤلاء الذين يبقون على الحياد في أوقات المعارك الأخلاقية العظيمة”، وقد اقتضت بعض الأمور المستجدّة والطارئة على المغرب والمغاربة، أن يتدخّل أهل الفكر ليدلوا بدلوهم، وليكون لهم نصيب ممّا يقع في مجتمعهم، فالمثقف العضوي وفق أنطونيو غرامشي هو ذلك الشخص الذي يشكّل ضمير وطنه بما يمتلك من حالة وعي متقدّمة، تدفع به إلى عدم الانكفاء والتشرنق في أبراجه العالية، بل تدفع به إلى أن ينخرط بقوّة في هموم مجتمعه بتواضع وعدم منّة، إنّه التزام أخلاقي ومبدئي من ذلك الشخص تجاه مجتمعه، بغاية تنويره.

من هذا المنطلق، سأتطرّق إلى نقطتين مفصليتين في هذا المقال، أولاهما المطالبة بإلغاء تجريم ما يسمّى “العلاقات الرضائية” خارج الزواج، من طرف بعض “الناشطين” و”الفاعلين الجمعويين”… الخ، وثانيهما الرسالة الإعلامية في التعاطي مع العلاقة بين المغرب والجارة الشرقية.

ينصّ الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي على أنّ “كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية تكون جريمة ويعاقب عليها بالحبس من شهر واحد إلى سنة”، وهنا نلاحظ أنّ المشرّع اعتبر أنّه كلّ رجل وامرأة تمّ ضبطهما وهما يمارسان الجنس، يتمّ سجنهما ما لم يكونا زوجين زواجاً شرعياً موثقا ومعترفا به، وبالتالي فالنصّ لا يتطرّق لأشكال أخرى من العلاقات الجنسية مثل اللواط والسحاق، لأنّهما يندرجان في باب ما هو شاذّ وغير طبيعي، وقد أفرد له المشرع المغربي الفصل 489 من القانون الجنائي، وعقوبته أشدّ (من 6 أشهر إلى 3 سنوات سجناً وغرامة 200 إلى 1000 درهم). 

إذن، فتلك العلاقة “الجنسية” بين رجل وامرأة خارج إطار مؤسسة “الزواج”، هي التي يسعى لإلغاء تجريمها، بعض من يسمّون أنفسهم “حقوقيين” ، بدعوى أنّ التجريم وبالتالي العقوبة المسلّطة، تقيّد حريات الأفراد البالغين سنّ الرشّد، الذين يتّفقون بمحض إرادتهم وبرضاهم المتبادل على ذلك الأمر، وبالتالي فهم يرون أنّ الإنسان ما دام عاقلاً بالغاً يعي ما يفعل، ووقع التراضي بينه وبين شريكه، فهو لا يستحقّ العقوبة.

في الحقيقة إنّ هذه الفكرة إن جاز تسميتها كذلك، لا تتطرّق إلا لنصف الصورة، وتخفي النصف الآخر والأكثر أهمية، فالأفراد هم جزء من مجتمع، ويعيشون داخل ذلك المجتمع، فالفرد لا يعيش بمفرد ولوحده في غابة، بل وسط أناس آخرين، لهم حرياتهم أيضاً، وهنا أستحضر مقولة منسوبة إلى مونتسكيو  في كتابه “روح القوانين” أو “روح الشرائع” ومفادها أنّ “حريتك كفرد تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين”، ومقولة ثانية لنفس المفكّر “الحرية هي ما يسمح به القانون”. وكما يعلم الجميع فالقوانين تُصاغ انطلاقاً من المرجعية الثقافية للمجتمع، هذا الأخير بما له من عادات وأعراف وقيم، بعضها مستمدّ من الدين الذي تؤمن به الأغلبية الساحقة من المجتمع، هو من يفرض على الأفراد الانصياع إلى المجموع، وإلا لفعل من شاء ما شاء، وانقلب الوضع من مجتمع مضبوط بقوانين إلى مجتمع منفلت العقال.

علينا أن نسمّي الأشياء بمسمّياتها، إننا أمام “الزنا” وليست “علاقات رضائية”، فمن ذا يرضى لأمّه أو أخته أو ابنته بذلك، إلا من انتكست فطرته، وسقطت مروءته؟ أيضاً اللواط والسحاق شذوذ، وليست “مثلية”، لأنّ المبتلى بهذا الدّاء خالف قوانين الطبيعة، ووقع في حمئة أشدّ وطأة من حمئة الحيوان. ولنقل بوضوح ما الهدف من مثل هذه المبادرات؟ في وقت هناك معارك كثيرة تقتضى من كلّ القوى الحيّة في المجتمع أن تتكاثف، هناك أزمة التعليم، وما أدراك ما التعليم، هناك قطاع صحّي مهتريء، هناك أزمة البطالة وقلة فرص الشغل، هناك الفقر وتدنّي مستوى المعيشة، هناك التداعيات الاقتصادية والاجتماعية أزمة كورونا على مختلف القطاعات المهيكلة وغير المهيكلة…. وهناك وهناك وهناك…. العديد من الأمور التي يجوز ويمكن النضال والمرافعة  فيها، لتحسين شروط عيش الناس، والرقي بإنسانيتهم وكرامتهم، فيترك هؤلاء “الأدعياء”، أو من يتاجرون بحقوق الإنسان، كلّ هذه المعارك النبيلة، ويناضلون من أجل الأمور الثانوية، عوض لقمة عيش الناس، هذا إن جاز تسميته نضالاً، وما أعتقد، إنّما يكون النضال فيما هو نبيل الهدف والمعنى والوسيلة.

إنّ الجنس أمر فطري وغريزي وطبيعي، خُلق مع الإنسان، لكن ترك الحبل على الغارب دون ضوابط، دون قواعد، ودون إطار يحدّده، سينتج لنا في الأخير مئات الآلاف من أطفال الشوارع، ومن الجرائم، ومن الانحرافات والانزلاقات، المجتمع في غنى عنها، هذا مع العلم أنّه وبدون إلغاء التجريم، يلاحظ المرء ما يلاحظه، من وجود هذه “العلاقات الرضائية” على أرض الواقع، طولا وعرضاً، وبنسبة مرتفعة، أدّت بالمقابل إلى كوارث من قبيل عزوف الرجال عن الزواج، وكتحصيل حاصل ارتفاع العنوسة، ارتفاع الطلاق، ازدياد الخيانة الزوجية، تفكك أسري، إهمال الأسرة، أطفال متخلى عنهم، أمهات عازبات، وتفشي ظاهرة أطفال الشوارع، أو قتل مواليد وإلقاء بجثثهم إلى المزابل تنهشهم القطط والكلاب… الخ. يعني هل كلّ هذه الوقائع التي لا يكاد يمرّ يوم دون أن يدمي الإعلام قلوب الناس بما يقع، مع وجود تجريم العلاقات الجنسية خارج الزواج، فكيف الحال إذن إذا ألغي التجريم؟ هل سنصبح مجتمعاً فيه المشاعة الجنسية، ونعود للجاهلية الأولى حيث صاحبات الرايات الحمر ؟ وتصبح المرأة بضاعة للنخاسين؟

يعني بقليل من المنطق، هؤلاء الناس يدّعون انحيازهم لقضايا حقوق الإنسان، لكنهم يسيئون للمرأة والطفل بالخصوص، فهذه العلاقات تتضرّر منها بالأساس المرأة، التي بمجرّد أن تصبح أُمّاً عازبة تطرد من بيت والدها، وتلجأ غالبا للدعارة، ويتضرر الطفل الناتج عن تلك العلاقة. فهل هذا منطق؟ 

تذكرني مثل هذه الدعوات بالدعوة إلى إلغاء تجريم الإفطار عمدا في شهر رمضان، والدعوة إلى تجريم الشذوذ الجنسي، والدعوة إلى الحق في الإلحاد و الردّة عن الإسلام علناً، وغيرها من الدعوات المشبوهة من ألفها إلى يائها، والتي مصدرها جهات أجنبية، تموّل بسخاء لهدم قيم المجتمعات الإسلامية، مثل منظمة “أميريكان فريدوم هاوس”، على سبيل المثال لا الحصر.

وربّما نسيى هؤلاء “الدّعاة” الذين يأمرون بالفحشاء وينهون عن المعروف، أنّ المغرب بنصّ الدستور دولة إسلامية، وأنّ ملك المغرب هو أمير المؤمنين، وأنّ الكثرة الكاثرة والأغلبية الساحقة من المغاربة هم مسلمون بنسبة تفوق 99% بقليل، وبالتالي تبدو دعواتهم “المريبة” هذه كفقاعات في الهواء، أو كهشيم تذروه الرياح، ولذلك نقول لهم “فأمّا الزبد فيذهب جفاءا”، لأنّكم لا تشكلون حتى أقلية داخل المجتمع، بل بضع أشخاص من غلاة العلمانيين والملاحدة، الذي لا صوت لهم داخل المغرب، مهما حاولت بعض المنابر الإعلامية “المشبوهة” النفخ في صوركم، وأن تجعل منكم نجوم المجتمع ومؤثرين فيه، لكن الواقع لا يرتفع، ولا تأثير لكم لا مكانيا ولا زمانيا، وأفكاركم إن قبلنا أنها أفكار، تبقى شاذة ومنعزلة، ولا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به.

  • دكتور باحث في الدين والسياسة

 1,356 مجموع المشاهدات,  8 مشاهدة اليوم

الإدارة

مدير النشر

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.