الصفحة قبل الأخيرة

الصفحة قبل الأخيرة

* بقلم: د. محمد سعيد / كاتب مصري

فتح الظرف الذي سلمته له الممرضة، وتعرّف على الكراسة القديمة على الفور، كراسة ضخمة تعوّد أن يرى والدته منكبّة عليها كل ليلة في غرفة المكتب، وأحياناً على السرير الذي يرتجّ بشخير والده، وحتى حين انتقلت للعيش معه، كانت الكراسة أول شيء وضعته بقرب سريرها. لطالما اعتراه الفضول لقراءة هذه الكراسة، وها هي تتركها له ليقرأ يومياتها، ومن يدري؛ فربما يكتشف ما لم تكشفه له الأيام التي جمعتهما. فتح الكراسة بيد مترددة، تعجب، قلّب الصفحات بتوتر واضح، لا بد أن هنالك خطأ ما! الصفحات بيض لم تكد تمس، لولا التواريخ المدونة أسفل كل صفحة. أخيراً لمح ما يشبه الكتابة.. الصفحة قبل الأخيرة..كُتب عليها: “كل ليلة كنت أحاول أن أدون أحداث يومي، وكل ليلة كنت أكتشف بأنه ليس هنالك من شيء يُذكر!”

القصة السابقة واحدة من إبداعات الأديبة الإماراتية عائشة الكعبي، ولقد جاءت لتثير تساؤلات مصيرية وهي ماذا نكتب في دفتر حياتنا؟ ولماذا نعيش؟ ونعيش لمن؟ إنها تساؤلات حيرت البشرية منذ ظهورها على الأرض. إنك ترى دفاتر بعض الناس بيضاء لا تسر الناظرين، ومن الناس من ترى دفاترهم ملأى بإنجازات عميمة مبينة. وهؤلاء يعيشون ليقدموا الخير للناس؛ ليكتشفوا جديداً ويشفوا مريضاً وييسروا لإسعاد البشر سبيلاً.     

ومن الناس من يحيا لنفسه فقط، وهؤلاء يحيون في أفق شديد الضيق، ومنهم من يحيا لأسرته، ومنهم من يحيا لوطنه ودينه، إنها دوائر تتسع باتساع وجدان الإنسان. ومن الناس من رُزق وجداناً فياضاً، يعيش ليكون مصدراً للخير العام؛ فتراه حيث كان، إنه كالشمس تلقي أشعتها على كل كائن، على اختلاف دينه وجنسه وموطنه، يرى الباعث على الحياة عالمياً فينشد معه السلام العام، يتحرر فيه من الحقد والبغض والحسد والطمع، ونحو ذلك مما يضيّق على الناس معيشتهم. 

وقلوب هؤلاء هي سرهم الأعظم الذي يعيشون به؛ فهم يوقنون أن قلب الإنسان مصدر العجائب. ولا شك أن نمط نشأتهم جاء مختلفاً؛ فقد نبتوا على الحب الذي وسع كل شيء، فصارت صدورهم براحاً وضاءة تزول معها كل ظلمة، وينكسف لها كل طرف. ونشأة أصحاب الدفاتر المترعة لم تكن ضيقة تُحد الحب في الأشخاص، وإنما جاءت نشأتهم واسعة تجعل الحب لا حد له. وإنك لتعجب إذ ترى هؤلاء مع هذا الحب الواسع لم يفقدوا شيئاً من حبهم الجزئي، فهم يحبون أنفسهم، ويحبون أسرهم، ويحبون أمتهم، ويحبون دينهم، ولكن حبهم الواسع يلون كل حب جزئي بلون خاص لطيف يتفق وسعة أفقهم، وامتداد نظرهم، وفيضان حبهم.

 1,279 مجموع المشاهدات,  8 مشاهدة اليوم

الإدارة

مدير النشر

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.